جورج واشنطن بلانكيت، وهو سياسي من نيويورك، وعضو في تاماني هول، (Tammany Hall)، إحدى “الآلات السياسية” أو التنظيمات السياسية الشهيرة في المدينة، يتباهى بأن “الكثير من رجالنا أصبحوا أغنياء من خلال السياسة. وأنا نفسي واحد منهم.”

في مطلع القرن العشرين، كانت العديد من المدن الأميركية تديرها مجموعات مما عُرف بـ “الآلات السياسية” أو التنظيمات السياسية التي تخدم نفسها بنفسها. وهذه المنظمات كانت تتحكم في الوصول إلى السلطة السياسية من خلال تزييف الأصوات، وشراء ولاء الناس- وأصواتهم الانتخابية. كانت تاماني هول في مدينة نيويورك هي الأكثر شهرة، ولكن كان لدى فيلادلفيا وبوسطن وشيكاغو أيضا تنظيماتها السياسية الخاصة بكل منها.

Cartoon showing people pushing over a booth advertising a rally (© Bettmann/Getty Images)
خصوم سياسيون يحاولون إسقاط كشك يعلن عن تجمع في يوم الانتخابات. (© Bettmann/Getty Images)

كان المسؤولون المحليون الذين تم انتخابهم بدعم من التنظيمات السياسية يستخدمون مناصبهم لتقديم خدمات غير مُستحقة- غالبًا في شكل وظائف- إلى مؤيديهم وداعميهم. وكان رؤساء التنظيمات السياسية غير المنتخبين يحصلون بدورهم على عقود مربحة للمشروعات الكبيرة في مدنهم، الأمر الذي كان يجعلهم وأتباعهم أغنياء.

كان المال كثيرًا لدرجة جعلت بلانكيت يتساءل لماذا يلجأ أي شخص إلى السلوك الإجرامي عندما يكون هناك الكثير من سبل الكسب السهل باستغلال النفوذ.

ولكن بدءًا من العام 1900، بدأت القوى الشعبية تعمل على تفكيك التنظيمات السياسية مثل تاماني هول. وعلى الصعيد الوطني، بدأت حقبة تقدمية. فقد دعا المرشحون الإصلاحيون إلى وضع حد للرعاية السياسية. وكشف الصحفيون عن فساد رؤساء ومسؤولي التنظيمات السياسية، بل وسخروا من فسادهم. وساعدت اختبارات الخدمة المدنية في إبقاء الموالين الحزبيين غير المؤهلين بعيدًا عن المناصب الحكومية.

التنظيمات السياسية في أنحاء العالم

يمكن أن ينتشر مفهوم الآلات السياسية أو التنظيمات السياسية في أي مكان، طالما أن السياسيين الفاسدين يشعرون أنهم مجبرون على شراء أصوات الناخبين ويمكنهم الوصول إلى أموال الدولة وإساءة استخدامها.

Close-up of several hands with writing on them (© Juancho Torres/Anadolu Agency/Getty Images)
فنزويليون في خضم أزمة الجوع الهائلة ينتظرون تسلم الغذاء في بلدة حدودية في كولومبيا. (© Juancho Torres/Anadolu Agency/Getty Images)

في فنزويلا، يستخدم نظام مادورو الجوع كوسيلة للحصول على الأصوات. وفي إيران، تستخدم المنظمات الخيرية، أو هكذا تبدو في ظاهرها، مثل مؤسسة “بُنياد مُستضعفان”، الأموال لإثراء قادتها. وغالبا ما يكون لدى هذا النوع من المؤسسات المئات من الشركات التي تتدفق أرباحها إلى أرباب العمل. كما أنها تنخرط أيضًا في قطاع البناء، حيث تقوم بتشييد مباني الركاب بالمطارات المحلية والبنى التحتية في بلدان أخرى.

ويعزو المؤرخون سقوط تاماني هول في نهاية المطاف إلى برنامج فيوريلو لا غوارديا لمكافحة الفساد، وهو الذي كان يشغل منصب رئيس بلدية مدينة نيويورك خلال الفترة الممتدة من العام 1934 إلى العام 1945. وكانت فترة ولايته بمثابة حافز على قيام نظام سياسي جديد يحلّ محل نظام الآلات السياسية.

ويستمر ذلك التقليد إلى يومنا هذا من خلال الطريقة التي تختار بها الأحزاب مرشحيها. فخلال الحقبة التقدمية، بدأت الولايات في تبني أنظمة أولية مباشرة، حيث يختار المواطنون مرشحي الحزب بدلا من أن يختارهم رؤساء ومسؤولو الآلات السياسية. إن التركيبة الحالية من الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات الحزبية التي تختار المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة هي واحدة من تراث هذا الإصلاح.

سقوط “السيد تويد”

كان ويليام إم تويد أحد أكثر الشخصيات المعروفة في الآلة السياسية تاماني هول في نيويورك.

Poster showing reward offered for wanted criminal (© Smith Collection/Gado/Getty Images)
(© Smith Collection/Gado/Getty Images)

قام “السيد تويد” ببناء ورعاية شبكة من الأفراد المعروفين باسم “تويد رينغ”، أو حلقة تويد، الذين قاموا بشكل جماعي بممارسة الخداع والنصب على دافعي الضرائب في نيويورك لنهب ملايين الدولارات منهم في خمسينيات القرن التاسع عشر حتى سبعينيات القرن ذاته، وقاموا بالتأثير على المحاكم والهيئة التشريعية والهيئة المالية بالمدينة والسياسات الانتخابية.

ألقت سلطات تنفيذ القانون القبض على السيد تويد وسجنته مرتين، إلا أنه هرب إلى إسبانيا وقيل إنه تم القبض عليه على يد ضابط عسكري إسباني تعرّف على ملامح وجهه من رسم كاريكاتوري سياسي.